عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
88
معارج التفكر ودقائق التدبر
وروى البخاريّ ومسلم والترمذيّ عن أنس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما أحد يدخل الجنّة يحبّ أن يرجع إلى الدّنيا ، وإنّ له ما في الأرض من شيء غير الشّهيد ، فإنّه يتمنّى أن يرجع فيقتل عشر مرّات ، لما يرى من الكرامة » . وعلى ما جاء في حديث ابن مسعود ، ينبغي أن نفهم ما جاء في القرآن من كون الّذين قتلوا في سبيل اللّه أحياء عند ربّهم يرزقون ، كما جاء في قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( البقرة / 2 مصحف / 87 نزول ) : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ ( 154 ) . وقول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( آل عمران / 3 مصحف / 89 نزول ) : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ( 169 ) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 170 ) * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ( 171 ) . وبعد أن قالت الملائكة للرّجل المؤمن المجاهد الشهيد في سبيل اللّه : ادْخُلِ الْجَنَّةَ ولقي ما لقي من كرامة عظيمة عند ربّه : قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ( 26 ) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ( 27 ) : نادى وهو في عالم الحياة البرزخيّة ، ولا يسمع البشر في الحياة الدّنيا نداء المنادي من أهل الحياة البرزخيّة ، مهما رفع صوته . نادى متمنّيا أن يعلم قومه الّذين قتلوه ، وفرحوا بقتله انتقاما منه ، بأمر ثوابين عظيمين ظفر بهما عند ربّه : الثواب الأوّل : أنّ ربّه غفر له ذنوبه ، أي : سترها فلم يحاسبه عليها . الغفر : في اللّغة هو السّتر .